زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

30

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

إن قلت : يُبَيِّنْ تقتضي شيئين فأكثر ، فكيف دخلت على ذلِكَ وهو مفرد ؟ قلت : ذلِكَ يشار به إلى المفرد ، والمثنّى ، والمجموع ، ومنه قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] . وقوله : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ آل عمران : 186 ] . وقوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ [ آل عمران : 14 ] ثم قال : ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا . فالمعنى : عوان بين الفرض والبكر « 1 » . 38 - قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ . فإن قلت : ما فائدة ذكر اليد ، مع أنّ الكتابة لا تكون إلا بها ؟ قلت : فائدته تحقيق مباشرتهم ما حرّفوه بأنفسهم ، زيادة في تقبيح فعلهم . 39 - قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . إن قلت : لم قال هنا مَعْدُودَةً ، وفي آل عمران مَعْدُوداتٍ « 2 » ؟ قلت : إشارة إلى الجمع بين الأصل والفرع ، إذ الأصل في الجمع بالألف والتّاء إذا كان واحده مذكّرا ، أن يقتصر في الوصف على تأنيثه مفردا ، كقوله تعالى : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [ الغاشية : 13 ] وقد يأتي " سرر مرفوعات " على الجمع ، فهو فرع عن الأول ، فذكر في البقرة على الأصل ، لكونها أول ، وفي آل عمران على الفرع . 40 - قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ . فإن قلت : التولّي والإعراض واحد ، فلم جمع بينهما ؟ قلت : لا محذور فيه لأن قوله : وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ حال من فاعل توليتم ، فهي حال مؤكّدة ، كما في قوله تعالى : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ، أو مؤسسة إذ المعنى : ثم وليتم عن الوفاء بالعهد ، وأنتم معرضون عن النظر والفكر في عاقبة ذلك . 41 - وقوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ .

--> ( 1 ) معنى " العوان : الوسط ، و " الفارض " و " البكر " الفتيّة . ( 2 ) في قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ آل عمران : 24 .